سميح عاطف الزين

169

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

آية لكل يتيم ، فلا يكون فقد الأبوين عائقا له عن متابعة مسيرة الحياة ، بل وعن حمل أعظم المسؤوليات . ماتت آمنة أم محمد . . فحملت أم أيمن البرّة هذا الطفل اليتيم لترتحل به في جوف الصحراء ، وفي قلبها حرقة ، وفي عينها دمعة . . ومما يدهش العقول أن تكون هذه المرأة تحمل اسم بركة حتى تكون نعمة وبركة على هذا الطفل ، فترافقه طوال حياته على اليمن والبركة فعلا . فسبحان اللّه الذي جعل اسم أم محمد آمنة ، واسم مرضعته حليمة ، واسم مربيته بركة . . . محمد اليتيم لقد بات محمد الآن وحيدا ، بلا أم ترعاه وتحنو عليه ، ولا أب يربيه ويحميه . وها هو في جوف الصحراء الواسع الموحش ، ولا أنيس له إلّا هذه الجارية الحبشية الوفية ، التي تجد نفسها ، والمأساة تعتصرها ، لا حول لها ولا طول . . فقد بذلت جهودها لكي تسرّي عن هذا الصبي المحزون ، وأن تخفف بعضا من شجونه ، ولكنّ وعيه الذي كان أكبر من عمره بكثير ، وإدراكه هول ما حلّ به ، كان فوق كل مواساتها فظلت الأحزان رفيقه في طريقه . فيا للّه من عوادي الدهر ما أقساها ! ، وما أشد وقعها على هذا الصبي ، تنقضّ عليه فتسلبه أباه من قبل أن يولد ، ثم ها هي تسلبه أمه بين ليلة وضحاها ، وتداهمه وهو في غربة ، بعيدا عن الأهل والناس ! ففي